حرب في قلبي
قررت كلارا النهوض بعد ان شعرت ان الموت قد زارها بعد رحيل كال قررت النهوض والمشي اعتقادا منها ان المشي سيمحوا صورة كال من ذهنها ذاك الرجل الطويل ذو الاكتاف العريضة اشقر الشعر اخضر العينين جميل المبسم ذو القلب الكبير؛ اعتقدت كلارا ان المشي سيمحو من ذاكرتها صورة كال جاثيا على ركبتيه حاملا خاتما للزواج بين يديه، اعتقدت ان هذا ممكن. كم هو مخلوق ساذج الانسان حين يعتقد ان النسيان خلق بتلك السهولة وانه بالامكان ان يحذف صورة من ذهنه وقلبه بتلك السهولة. قررت المشي في منتزة بيدمونت، ارتدت بدلتها الرياضية، وضعت سماعات الأذن؛ حتى لا تسمع اصوات الذكريات في رأسها، لبست حذائها وانطلقت للمشي. كان المنتزة يعج بالبشر من كل الجنسيات، كل الاعراق والأديان، وبمختلف الأعمار. بدأت تمشي وهي تستمع للموسيقى المفضلة لديها، بحيرة البجع والتي لطالما كرهها كال قائلا: لا يستمع لهذا النوع من الموسيقى الا المجانين يا كلارا، يقولها وهو يعد الطعام ويضحك. لم تكن تلك المعزوفة سوى حبل يجرها للخلف للتذكر كال مرارا وتكرارا خلال المشي. تمشي قدماها في المتنزه لكن قلبها وروحها تماما مع تلك اللحظة في المطبخ مع كال وهو يبتسم ساخرا من ذوقها في الموسيقى. كانت كلارا تتجنب النظر للوجوه في المنتزة؛ لقد كانت كل الوجوه تذكرها بكال. بينما كانت تتحاشى الوجوه قفز أمامها طفل صغير في الثالثة من عمره، أخضر العينين، يمر من أمامها ويركض خلفه أبيه في حاله سعادة عارمة من قبل الاثنين لم يملك خيالها سوى أن يأخذها لاحتمال أن أتكون قد تزوجت كال وأنجب منه طفلا يشبه هذا الطفل تماما، العيون الخضراء تشبهه تماما كأنهما خرجا من نفس الرحم.
*
كان يوم عادي كأي يوم تستيقظ كلارا فيه للذهاب للعمل، إلقاء المحاضرات على طلاب من جيل ألفا هذا الجيل اللامبالي بشيء في الحياة لأنه يعلم أنه ليس بحاجة لأن يبذل مجهودا على شيء لان كل شيء يتوفر بكبسة زر فقط، جيل لا يشبه أي جيل من الأجيال السابقة. تقود دراجتها يوميا من شقتها القريبة من جامعة إيموري في أتلانتا تماما كما تفعل في كل الأيام، تخبر الطلاب قصصا عن التاريخ وتحثهم على البحث والتقصي وعدم قبول من ينقل إليهم التاريخ على أنه أمر مسلم به. لم تكون كلارا تلك المرأة التي تصدق كل ما يقال لها وإن كان تاريخ قد حصل منذ الآلاف السنون بل كانت تقول: نحن لا نستطيع أن نصدق الأخبار التي تنقلها لنا جويس العجوزة القاطنة في الشقة المقابلة لأنها لا تنقل الأخبار بشكل موضوعي بل تنقلها بأهوائها؛ فما بالك بأولئك الذين نقولها منذ الآلاف السنين. كان يوما عاديا تماما، إلا أن آلما شديدا في الجانب الأيمن أسفل البطن كان قد ابتدأ صباحا بألم خفيف حول الصرة لكن سرعان ما بدأت تلقي محاضرتها باغتها الألم وبشدة إلى أن سقطت من على المنصة أمام طلابها. خاف الطلاب وهرعوا بها إلى مستشفى الجامعة، قسم الطوارئ لأنهم وببساطة طلاب تاريخ ولم يستطع أي منهم أن يتدخل بشيء سوى نقلها للمستشفى. كان الالم يسيطر على كلارا من كل النواحي لم تتمكن من التفكير بآي شي اخر سوى ان يأتي من يزيل عنها هذا الالم استلمها من طلابها بعد ان نظر اليها وهو يبتسم ووضع يده على رأسها محاولا ان يهدأها قائلا: مرحبا انا الدكتور كال اخبريني ما الذي تشعرين به، لوهلة شعرت كلارا بأن الزمن قد توقف عند ابتسامته، لكن تلك لم تكن سوى وهله وكان للالم رأي اخر صرخت بأعلى الصوت: ألم شديد اسفل البطن لجانب اليمين ابتدا صباحا عند الصرة لكنني كنت اعتقد انه مجرد غازات وستزول. وضع يده على بطنها وعندما ازالها كادت كلارا ان تقفز من على السرير من شدة الألم، صرخ كال وهو ينادي للممرضة: اعطيني اربعه ملم جرام من المورفين، قام بادخال القسطرة للوريد وحقنها بالمورفين. اغمضت كلارا عينيها وهي تنظر لكال وهو يهمس ويخبرها ليس بشي هي الزائدة الدودية تحدث الكثير من الفوضى لكن في الحقيقة هي ليست الا دودة صغيرة. روحه المرحه كانت تماما مثل البلسم الذي تمنت كلارا ان تجده -يوما ما- في انسان بعد ان عانت من ادمان والدتها على المواد الافيونيه، والتي كانت كما تقول كلارا اغلب يومها في حالة الطيران ووالدها المنسي الذي فضل عائلة اخرى عليهم بعد ان توفي اخاها في حادث دهس. غابت كلارا عن الوعي تماما ولم تفتح عينيها الا في غرفة العمليات واختصاصي التخدير يخبرها ان تهدأ لانها نقلت من الطوارى وان الدكتور كال سيقوم باستئصال الزائدة الدودية اليوم قبل ان تنفجر. عندما فتحت كلارا عينيها كانت في غرفة الاستفاقة وكال يقف على رأسها قائلا: اوووه مرحبا لقد خفت ان لا تستيقظي ويعجبك النوم في هذه الغرفة الباردة، انتم الاساتذة بحاجة لمثل هذه الغرف للنوم ونسيان امر طلابكم. نظرت كلارا لعينين كال كانتا شديدتا الاخضرار مثل مرج واسع، تبعثا على الطمأنينة، الطمأنينة والامان اللاتي لطالما بحثت كلارا عنهما، استطاعت ان تستيقظ وتتبادل اطراف الحديث مع كال والذي كان الاروع على الإطلاق.
*
واصلت المشي بعد ان عادت من تلك الصورة حيث كان كال يركض خلف طفلهما، شاهدت وجوها كثيرة في ذاك المنتزه لم تقاوم ان لا تنظر اليها كانت تبحث عن كال بين كل الوجوه رأت وجه اولاك الاطفال يلعبون ويتشاقون بينهم تماما كما كان يفعل كال -كل صباح- اما بعد ان يستيقظ او بعد ان يعود من مناوبة ليلة طويلة، تماما مثل اولاك الصبيه لم يعرف يوما تقطيبة حاجب او صوتا غاضبا كان تماما عكس كل سيء قضته في منزل عائلتها ابتداء بوالدها الاناني وانتهاء بوالدتها المحطمة من فقدان ابنها. لم استطع ان اخرجك من عقلي قالت كلارا وهي تجدث نفسها عندما مرت من امام الصبية. مرت بجانب ذاك الرجل الباكستاني المسلم يحمل مسبحة يسبح للرب ويهلل بها، رفعت رأسها عاليا ونظرت للسماء وتمنت ان يعود كال -يوما ما-. لم تؤمن كلارا يوما بأن الرب موجود الا بعد ان تعرفت على كال، كانت دائما ما تقول لو كان للرب وجود لما مررت بكل هذه الصعاب في حياتي وانا ما زلت في ريعان شبابي؛ لكن عندما ظهر كال في حياتها تيقنت بانه قد جبرها بوجود كال في حياتها. اخذت تلتقط كل قمامة رميت على الطريق راجية الرب ان يعيد كال اليها رغم المسافات والظروف. اصبحت تؤمن بالرب، اصبحت تعلم بأنه موجود لانه لا يمكن ان يكون هناك اناس جيدون بقدر كال في هذا العالم المخيف الا اذا كان الرب موجودا.
*
عندما استيقظت صباحا بعد ان قضت ليلة كاملة في المستشفى بعد عملية استئصال الزائدة الدودية كان كال واقفا امام سريرها في المستشفى يخبرها انها تماثلت للشفاء وانه عليها العودة للمنزل. عودي الى المنزل، خذي قسطا من الراحة، انسي موضوع طلابك من جيل ألف، صدقيني اكاد اجزم بأنهم يصلون على ان لا تعودين، قال كال وهو يبتسم في وجهها، وقبل خروجه من الغرفة نادته كلارا قائلة: ما رأيك ان ادعوك للعشاء الليلة، قالتها وهي في قمة التردد وقمة التعلق محدثة نفسها لا اريد ان اخسره كيف لي ان اخسر شخصا كهذا يا إلهي يشبه جرعة المورفين تلك حقة عندما يتحدث. رد كال في نفس اللحظة: على شرط أن يكون في منتزه بيدمونت وأن تحضري طعام صيني، وأراك في الساعة الثامنة مساءً لن تنتهي مناوبتي قبل ذلك، غمز كال بعينة اليمنى وهو يخرج من الغرفة ممسكا طرف الباب ليغلقه وهو يبتسم. توقف الزمن بالنسبة لكلارا آنذاك هناك من يهتم لأمري.
*
مرت وهي تمشي بجانب ذاك الثنائي الطاعن في السن ممسكان بيد بعضهما، يجلسان على كرسي المنتزه، ينظر هو لعينيها كانها مجرة يتأملها، وتغفو هي في حضنه كانه هدنة اتت بعد حرب طويلة. ماذا لو أنني لم أخف، لم أتردد، ولم اهرب من تلك اللحظة التي كانت ستغير حياتي للا بد. رحيلك جعلني في تلك المنطقة التي يسميها الاعراف الأعراف لست في الجحيم لكنني لست في الجنة انا أنا هنا في هذه المنطقة الرمادية ابحث عنك هل اجدك أجدك هنا تبحث عني.
*
كان مساءا غير اعتياديا بالمره فقد غيرت كلارا سبع فساتين، بلوزتان، وخمس تنانير فقط لتظهر امام كال بأحسن حلة توصلت اخيرا لان تذهب بتلك التنورة الخضراء المخططة باللون الاسود مرتدية بلوزة صوفية ضيقة سوداء اللون مع معطف من الجلد الاسود اسدلت شعرها وارتدت حذاء طويل الساق بلون الجلد الأسود، كانت تحب اللون الاسود من بين كل الألوان. كان كال يجلس على العشب بملابس المستشفى، طبعا ستكون ملابس المستشفى فقد انتهت مناوبته -قبل قليل- فقط لا تتوقعي ان يرتدي سترة توكسيدو وهو قادم للمنتزة، اتمنى انني لم ابالغ بملابسي، قالت كلارا في نفسها وهي تمشي بتجاه كال الذي كان يبتسم تلك الابتسامة الساحرة. لم يخبرني احد انه علينا ان نتأنق، قال كال وهو يضحك، نظرت كلارا خلفها وهي تمشي بسرعه وتبعد عن كال مسافة قريبة وقالت وهي تلهث من المشي السريع: اعلم، لم اكن اعلم انه علينا ان لا نتأنق على كل حال اشعر بأني بكامل ثقتي حين اكون أنيقة، ولا بأس بك وانت بثياب الطبيب هذه لا تبدو سيئا أبدا، قالتها وهي ترفع احدى حاجبيها مبدية اعجابا واضح بهيئته. لم اكن تلك التي تولي اهتماما بمظهر احد بل على الغالب انني لا ارى أحدا، عقدة الثقة التي حملتها على كتفي منذ خروجي من المنزل لم تنزل يوما من على كتفي ما الذي انزلها الآن، قالت كلارا وهي متعجبه من كونها عفوية على غير عادتها مع كال.
جلست بجانبه، وضعت اكياس الطعام والمشروبات وقالت: كان من الجيد انني دعوتك للعشاء، والا لما خرج احدنا من قلعته، ضحك كال وقال لها: حقا لا اذكر متى كانت اخر مرة خرجت فيها للتنزة او حتى للتحدث مع احد بأي شي غير الطب، لكن على ذكر الطب كيف اصبحتي بعد تلك العملية السريعة؛ توالت الاحاديث وتوالت الضحكات بينهما ذابت ثلوج الخوف واليأس لدى كلارا نزلت عقدة الثقة من على كتفها نمى لها جناحين لم تكن تعلم انهما موجودان شعرت انها مع كال طائر عنقاء بعث من رماده توالت اللقاءات والاحاديث تارة في المنتزة، واخرى في مقهى المستشفى وبعدها بأيام في منزل كال ثم منزل كلارا كل الضحكات كل النكات كل الايام الجميلة والايام الثقيلة المتعبة كل الاحضان والرقصات كل التفاصيل والذكريات كل ما ذكر وكل ما لم يذكر كلها كانت مع كال؛ شعرت كلارا انها لم تكن سوى يوم واحد فقط رغم كل الصعاب الا ان كال كان قادرا على جعلها لا شي وكلارا في حضنه.
*
انقطع نفسها بعد بضع خطوات من المشي، شعرت بأن الهواء قد انحصر في رئتيها ولم تعد قادرة على التنفس شعرت بأنها تغرق في صندوق الذكريات، لم اكن يوما تلك الضعيفة، موت جونثان لم يضعفني لهذا الحد، ادمان امي واتكائها علي تماما لم يكسرني؛ لكنني الان مكسورة اشعر بثقل شديد وارغب بالبكاء لكن لا أستطيع، ارغب في الصراخ لكنني مكتومه من الداخل، قالت كلارا كل هذا وهي تدور حول نفسها في ذاك المنتزة الذي يعج بالبشر شعرت بانها على وشك السقوط وانها لم ترغب بالموت يوما بقدر ما رغبت به اليوم؛ لكن كرسيا على جانب الطريق اسعفها فجلست عليه واخذت تبكي وهي تسترجع ذكرى ذاك اليوم الذي عاد فيه كال من يوم طويل من المشفى وقال: لقد قمت اليوم بمعالجة مريضة قدمت للمستشفى هي وزوجها كانا في منتصف السبعين من عمرهما وقد اخبراني انهما لما يفترقا يوما منذ ما يقارب اربعين عاما عندما كانت هي نائمة في سريرها وانا اغادر كان الزوج يمسك بيديها يا كلارا كانا جميلين لدرجة أنني أعتقد أنهما خرجا من حكاية خيالية، ارغب حقا في أن نكون مثلهما ان لا نفترق أبدا، ثم اخرج كال من جيب معطفه علبة صغيرة، جثا كال على ركبتيه وهو يفتح العلبة وقال: كلارا نيكوليت جاستين هل تقبلين الزواج بي؟ قالها وهو يبتسم حتى شعرت بأن الابتسامة قد شقت وجهه شقا بين حرية النسوية الغربية والإنسانة التي لم تستند يوما على إنسان سواها، التي لم تجد منذ الثالثة عشرة من عمرها أحدا ليمسح دمعتها وبين الإنسانية البشرية والرغبة الجامحة في الاستسلام واللجوء غاصت كلارا في حرب، حرب داخلية مزقها إرب ألغت كل معاني العقلانية والعاطفة بداخلها وقعت بينهما تماما مثل طائر الغربة الذي لم يجد يوما بلدا يلجأ إليه.
صدت كلارا وجهها عن كال وقالت: ألا تعتقد انه من الباكر جدا ان نتحدث عن الزواج، قالتها بطريقة جعلت من مشاعر كال شي بسيطا، نظرت اليه نظرة باردة، رفعت احدى كتفيها كانها لا تهتم ثم خرجت من المنزل.
*
على كرسي المنتزة اصبحت هذه الذكرى في قلب كلارا مثل شظايا الزجاج المحطم تغرس في كل مكان من جسدها وبالاخص في قلبها كانت تبكي بحرقة وهي تمسك قلبها وتنظر في كل مكان راجية ان يعود. عندما عادت كلارا للمنزل في تلك الليلة وجدت ورقة كتب كال عليها: انضممت لبحرية المشاة الأمريكية في جولة الى افغانستان ولن اعود قبل ستة اشهر حتى تنتهي الجولة كان هذا الخيار هو الاخير بعد ان تيقنت انني لست سوى ايام من حياتك لذا قررت الرحيل، الوداع. كانت تلك الكلمات كفيلة بأن تطلق قدمي كلارا للركض الى القاعدة العسكرية بحثا عن كال لكن كان قد رحل تيقنت كلارا انذاك ان الحرب التي نشبت بداخلها ليلة البارحة لم ولن تنتهي أبدا.
مرت الايام لكنها لم تمر كانت الثواني لا تمر -بتاتا- على كلارا وفي كل لحظة تأتي أخبار بمقتل احد الجنود الامريكان في افغانستان كانت تبحث كالمجنونة عن اسماء القتلى وتدعوا في كل لحظة ان لا يكون كال من بينهم لم تصحوا على نفسها الا وهي تحمل الهاتف تبحث عن رقم كال تتصل به؛ ليأتيها الرد التلقائي في الهاتف: مرحبا هذا الدكتور كال ان كنت بحاجتي اترك رسالة بعد صوت الصافرة، فقالت: ارجوك عد إلي لقد مت بعد رحيلك، اشتقت إليك...

رائعة جدًا👏🏻👏🏻 جميلة
ردحذف