تمثال الفضيلة

 

تمثال الفضيلة: 

نفضت غبار الأيام من عليها، ارتشفت آخر رشفة من قدح ذنوبها، ثم قفزت مثل القطة، وانتصبت أمام مرآتها، رتبت تفاصيل أنوثتها، ثم فتحت الباب، ورمت بنفسها في حضن ذاك الشارع المعزول عن كل الشوارع والطرقات في تلك القرية الصغيرة. سارت عبر الشارع المؤدي لذاك البيت الذي عزلت فيه هي ووالدتها دون أدنى سبب سوى أن والدتها لم تخبر أهل القرية من أين أتت بهذه المشؤومة التي لطالما اعتبرها أهل القرية رمزاً للعهر. عبرت من الشارع إلى الأزقة الضيقة في القرية التي كانت مرصوفة بالحجارة الملساء، متدرجة الألوان بين الأبيض، الأسود، والرمادي. شرفة كل بيت من تلك الأزقة تطل على الطريق الذي لم، ولن يخفي ماراً به، كل زقاق من تلك الأزقة تلون بلون من ألوان الحياة التي تخبر قصة من قصص الناس القاطنين فيه. 

كانت تسير في ذاك الزقاق وهي فتاة في بداية العشرين من عمرها شعرها أسود طويل كثيف ومتموج ترفعه من جانب اليمين بقطعة فضية على شكل ورقة البرسيم ظناً منها أنه جالب للحظ، يا لسخرية القدر. كان لونها حنطياً تماما مثل لون معدن النحاس المصقول الصافي الذي لا تشوبه معادن أخرى، عيناها رماديتان مثل غيمتين حزينتين في شهر كانون الأول، وحاجبها مرسومان بالكحل الأسود تماماً مثل الغِربان، الطيور التي لطالما أخفت ذنوب الإنسان على مر العصور. ترتدي فستانا ضيق الخصر كأنه قنينة نبيذ أحمر، ويرسم ملامح التفاحتين الآتي أغلقن الباب إلا قليلا، ويكشف جزء من الكتف المنحوت مثل التماثيل الفرعونية. أكمامه فوق الرسغ بقليل، فيه فتحة تظهر الساق إلى حد الركبة من جهة اليسار كالعذراء التي تطل من خلف الستار. ترتدي الكثير من الأساور في يديها كأنها شجرة نذور في أعالي الجبال، حلق فضي متدلي حتى رقبتها، قلادة تصل لصدرها كأنها خط فاصل بين دولتين رغم الخط الفاصل، إلا أنهما واحد، وخلخال من الفضة الخالصة في كاحل اليمين يصدر أصواتاً عندما تمشي حافية القدمين، كأنه جرس من أجراس إحدى الكاتدرائيات الأوروبية يحتفل بعيد الميلاد. لم تكن عاديةً أبدا، بل خُيّل لمن يراها للمرة الأولى أنها هربت من لوحة فنان عاشق، لكنه لا يعلم من يعشق لا يعلم سوى أنه عاشق، حتى بالنسبة للذين قالوا: عاهرة. 

تمشى في أزقة تلك القرية الظالم أهلها، الحاكمون بالظاهر الغاضين النظر عن الباطن عمداً، ذاك الباطن الذي يواري حملاً أشد من ثقل الجبال. كانت تبدوا مثل الطود العظيم، وهي تمشي بتلك الأزقة، حتى خُيّل لأحدهم أنها من نسل إبليس الذي لا يهد عظمته سوى نار جهنم. وكما جرت عادة أهل القرية أن ينظروا إلى الظاهر دون محاولة التماس الباطن؛ أخفت في داخل قلبها، عقلها، وعيناها الذكريات القاسية الكاسرة لروح الإنسان التي كانت تمر من أمام عينيها وهي تمشي تماماً مثل شريط الذكريات. مرت وهي تمشي بين الأزقة التي تقود لساحة القرية بتلك النسوة اللاتي اعتدن البصق عليها كل ما مرت، لعنها، وشتمها بأشد الألفاظ عنفاً. 

عاشت في قرية عاش فيها رجل لوقت ليس بالقصير عرف بالفضيلة فيها. كان طويلا، ذا نظرة حادة، نحاسي اللون، له ذقن عريضة، لحية ليست بالكثيفة، لكنها كانت واضحة، عينان زرقاوان، شفاه مسطحة بارزة وملابس أنيقة تعكس بحبوحة الحال الذي كان يعيشه. من السهل جداً أن تكون فضيلاً لا تعرف للشيطان طريقاً عندما تكون ثرياً، تلبس كما تريد، تأكل ما تشتهي، وتحيا كيفما رغبت روحك؛ لكنها روح الإنسان التي تدعي الخير حتى تُختبر بالشر، فيظهر سوادها القاتم. كان رجلاً ناصحاً، يدعو الناس بالتطهر من الذنوب كلها، يخبرهم أن للإنسان ذئبين في داخله أحدهما أبيض والآخر أسود، وأن عليهم أن يطعموا الأبيض دائما، حتى يجوع الأسود، ولا يجد ما يقتات عليه. وعندما مات ذات ليلة أصبحت القرية على نواح النساء، وحزن الرجال وانكسارهم على ناصحهم، مرشدهم الذي كان يريهم الطريق. حزنت القرية على موته حزناً شديداً، بل إن بعض رجال القرية من شدة غضبه وحزنه على موت الفاضل قرروا طرد المرأة وابنتها؛ لأنه لم يرَ فيهما سوى الرذائل والآثام، لكن قالت زوجة الفاضل ابنوا له تمثالاً في وسط ساحة القرية، حتى يكون بمثابة الرادع لتلك المرأة وابنتها إذا ما ظنتا أن موت الفاضل يعني انتهاء الفضيلة في هذه القرية. ذاك الفاضل، الناصح، المرشد للخير كان أول من نادى بعزلها هي ووالدتها عن القرية، حتى لا تتنجس القرية بعهر هذه المرأة التي أطعمت ذئبها الأسود حتى التهم الأبيض، ولم يعد يرى فيها سوى كل الرذائل والآثام. 

ظن الجميع أنها تمشي بكل غرور وتكبر، رأسها مرفوع، عيناها للسماء، والقدمان تسيران تماماً كما تسير القطة بكل اتزان، أنوثة، وثقة. ظنوا أنها ذاهبة للسوق لاستعراض جمالها كعادتها؛ لإثارة غيرة نساء القرية الآتي كُنّ يصلن في كثير من الأحيان لحد الغليان، حين ينظر إليها رجالهن بلا شعور، ولكن أكثر ما كان يثير غيرتهن وقلقهن في آن واحد هو نظرة ابن الفاضل إليها، حينما كان يهيم في تفاصيلها، ينظر إليها وكأنه ينظر إلى مخلوق أسطوري هرب من أحد الكتب، أو إلى طائر يصعب اصطياده؛ كلما اقترب منه هرب. 

لم يكن ابن الفاضل سر أبيه؛ بل كان شابا مليحاً، له عينان حنونتان، وابتسامة آسره، كان هو الإنسان الوحيد في تلك القرية الذي لم يرَ أن المرأة وابنتها سبب الرذائل والآثام. كانت ابتسامته في وجهها كفيلة بحرق همومها الواحد تلو الآخر هو فقط لا غيره. 

كانت تمشي بين الأزقة في ذاك الصباح على شريط الذكريات؛ ذكريات الطفولة بذاك الرجل الذي لم ترَ يوماً سوى ظله، كان يأتي للمنزل لوالدتها يهددها، يضربها، ويُرعبها بكل ما أوتي من قوة. لم تكن سوى طفلة لا تفقه شيئا من هذه الحياة، لم تفقه سوى تلك الجملة المرعبة التي كان يرددها بلهجة شديدة على مسامع والدتها: إن تحدثتي سأقتلك. لم تكن عبارة مرعبة فقط، بل كانت تعني رحيل والدتها وحيدتها من هذا العالم القاسي. مشت بين الطرقات، وهي تتذكر رجم النساء لهن هي ووالدتها، بينما كان ذنب والدتها الوحيد هو الصمت خوفاً من أن تترك صغيرتها لهذا العالم الشديد القسوة وحيدةً بلا قوة تحميها على وجه الخصوص من ذاك المرعب. مرت على ذكريات الشباب حينما كانت تمر من أمام النساء في القرية، وينظرنَ إليها بنظرات شزره، حاقدة، وكارهة لوجودها تذكرت كل مرة مرت فيها من أمام زوجة الفاضل وهي تقول: اللعنة على هذا النسل الفاجر العاهر، ثم تبصق عليها، وتصد وجهها للجانب الآخر. انتهت بها رحلة الذكريات لغسق الليلة الماضية على فراش والدتها المريضة التي أرهقها الزمان، خنقها الهجران، وقهرها اليتم واللطم. قالت لها والدتها بصوت مبحوح مشروخ: تعالي واسمعي ماذا أقول لك؛ لطالما خافت من تلك اللحظة، من تلك النظرة، من تلك الكلمات التي بدت وكأنها كلمات الوداع، خافت من ذاك الموقف. ردت بصوت يبدو لمن لا يعرفها أنه قوي، لكن لوالدتها كان صوتاً صغيراً وضعيفاً ردت قائلة: عليّ أن أذهب للنوم سأستيقظ غداً في الصباح الباكر لأذهب وأحدث ابن الفاضل أن يتزوجني آن الأوان أن يكون لنا رجلٌ يحمينا من هؤلاء القساة. اغرورقت عينا والدتها بالدموع، وغصت حتى شهقت شهقة جعلتها تظن أنها ماتت ثم همست بصوت خفيف في أذنها، وغادرت هذا العالم. أخذتها الذكريات لليلة الأولى التي كانت فيها وحيدة في هذا العالم بلا أي مخلوق سوى مرآتها، وقدح ذنوبها الذي باتت تعاقرة طوال الليل. 

خرجت من منزلها وهي فتاة في بداية العشرين، ووصلت لساحة القرية وهي امرأة في الستين. سارت بقدميها بين الأزقة، وسارت بذاكرتها بين الذكريات، ولم تجد نفسها إلا في وسط ساحة القرية أمام ذاك التمثال الطويل العريض الذي لم تكره شيئا في تلك اللحظة بقدر كرهها له انتصبت شامخة أمام التمثال حتى شعرت أنها لم تعد تخاف لا من التمثال ولا من صاحبة. لم تقف هي فقط، بل وقف كل من كان في تلك الساحة، وركض شاهقاً كل من لم يكن في الساحة، وكانت الشهقة الأعلى من نصيب زوجة الفاضل صاحب تمثال الفضيلة. تسلقت التمثال تماما مثل القرد المتمرس في تسلق الأشجار، ووصلت حتى ولت وجهها مقابل وجه التمثال، صرخت زوجة الفاضل فيها: انزلي أيتها العاهرة، لا توسخي التمثال الفضيل برذيلتك ورذيلة والدتك، نظرت هي بطرف عينيها زوجة الفضيل نظرةً شزره للمرة الأولى في حياتها، وقالت لها بصوت واضح مسموع لكل من في القرية: إخرسي، لدي ما أقوله لهذا الذي نصبتموه تمثالاً للفضيلة وهو لم يكن سوى عاهر يتغطى بالفضيلة ظاناً أنها ستستر عهره. تعالت الأصوات وصرخ جميع أهل القرية، ثم نظرت مجدداً للتمثال وقالت: حان الوقت أن أبصق أنا في وجهك أيها العاهر. أصبحت الساحة أشبه بساحة حرب انتفض فيها الكل لطماً وصراخاً إلا زوجة الفاضل نكست رأسها، ولم تنطق بكلمة، نظرت هي إليها، وصرخت بأعلى صوت استطاعت أن تصرخه: سأتزوج بابنك اليوم يا صاحبة الفضيلة سيكون لنا رجل، فهو يعشقني ويهواني كأني أسطورته، شهقت زوجة الفاضل، وصرخت بعالي الصوت حتى سمعها كل من في القرية: لا تستطيعين الزواج بأخيك. ضحكت وقتها ضحكة جعلت كل من في القرية يشعر أنها لم تضحك طوال سنوات حياتها سوى اليوم نظرت إلى التمثال مجدداً وقالت: لا ترتدي ثوب الفضيلة وأنت عاهر؛ فعهرك سيعود يوماً و يعريك. 

تعليقات

  1. تسلم اناملك 👏🏻

    ردحذف
  2. دومًا رائعة 👏🏻👏🏻كتابة رصينة جميلة ووصف دقيق وأنيق

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تشايكوفسكي

حرب في قلبي